تصميم: يوسف أيمن - المنصة

مريد البرغوثي: الأكبر من إسرائيل

شاعر يكتب في المقهى/ العجوز ظنته يكتب رسالة لوالدته/ المراهقة ظنته يكتب لحبيبته/ الطفل ظنه يرسم/ التاجر ظنه يتدبّر صفقة/ السائح ظنه يكتب بطاقة بريدية/ الموظف ظنه يحصي ديونه/ رجل البوليس السري مشى نحوه ببطء

- من قصيدة تفسير لمريد البرغوثي

(1)

لقائي قبل الأخير بالشاعر الراحل مريد البرغوثي كان على مبعدة خطوات من ميدان التحرير. أغلب الظن أنه كان يوم إجبار مبارك على التنحي في 12 فبراير 2011. كانت رضوى ومريد ومعهما ابنهما تميم قد عادوا من الولايات المتحدة، إثر واحدة من سلسلة عمليات أجريت لإزالة ورم خبيث أصاب رأس رضوى. وعلى الرغم من الحالة الصحية، إلا أنها، حسبما ذكرت في سيرتها الذاتية أثقل من رضوى، غطّت رأسها، ثم اعتمرت قبعة كبيرة زيادة في الحيطة، وشاركت الناس في فرحها الأسطوري بإزاحة مبارك، وواصلت نزولها بعد ذلك في تلك الأيام المجيدة.

كان مسكنهما في شارع هدى شعراوي وفي العمارة الملاصقة لوكالة أنباء الشرق الأوسط. رأيتهما قد وصلا إلى ناصية طلعت حرب، وكان مريد تحديدًا يبدو عليه عدم التصديق، وكان مايجري أمامه يدعوه للمزيد من التوتر والصوت العالي والتلويح بقبضتيه.

أبادر إلى القول إن قصة مريد الشاعر الفلسطيني (1944 – 2021) هي قصة مصرية فلسطينية وفلسطينية مصرية معًا، بالحب الذي ربط بينه وبين رضوى، وبالطفل الذي أنجباه، وبسنوات النفي والشتات، وبإنتاج كل منهما الأدبي والفني الذي أنجزا خلاله الكثير في الأدب العربي، فرضوى ليست مجرد أستاذة جامعية وناقدة وكاتبة رواية وناشطة سياسية فقط، كما أن مريد ليس مجرد شاعر وناثر فلسطيني كبير وشاهد بالغ الجسارة على المأساة فقط، بل هو، كما كتب ذات مرة "أكبر من إسرائيل بأربع سنوات، والمؤكد أنني سأموت قبل تحرير بلادي من الاحتلال الإسرائيلي الذي عشت معظمه في المنافي وتركني محملا بغربة لاشفاء منها، وذاكرة لايمكن أن يوقفها شيء".

(2 )

مريد ابن قرية غسانة التابعة لرام الله، والأخيرة كانت ضاحية من ضواحي القدس. عاش مريد سنواته الأربعة الأولى في بلاد كان اسمها فلسطين، ثم حدث الاجتياح الإسرائيلي الأول 1948 وآلت تلك البلاد إلى الأردن وأصبح اسمها منذ ذلك الحين" الضفة الغربية". وعندما حدث الاجتياح الإسرائيلي التالي في يونيو/ حزيران 1967 كان مريد طالبًا بكلية الآداب جامعة القاهرة وزميلًا لفتاة مصرية جميلة اسمها رضوى عاشور، يدرس كلاهما في قسم اللغة الإنجليزية.

في ذلك الاجتياح الأخير ضمّت إسرائيل، من بين ما ضمت، الضفة الغربية وغزة، ومنعت مريد من العودة، شأنه شأن عشرات الألوف الذين كانوا خارج قراهم ومدنهم لهذا السبب أو ذاك، وظهرت إلى الوجود العديد من معسكرات اللاجئين والمشردين في الأردن وسوريا ولبنان.

أما مريد فلم ير قريته مجددًا إلا بعد مرور عدة عقود وتحديدا عام 1996 بعد إبرام اتفاقات أوسلو التي انتقصت من السيادة الفلسطينية الكثير والكثير. وكعادة إسرائيل، وباعتبارها الأقوى والمحتل فعلًا، وفي ظل تواطؤ عربي معها ومع الولايات المتحدة، اضطر عرفات لتوقيع اتفاقيات نصت على أن تقتصر المرحلة الأولى منها على سيادة شكلية في الهواء وبلا ضوابط على شريط يمتد من غزة إلى أريحا ويربط بينهما شريط ضيق. لم تنفذ إسرائيل أي شيء، وسمحت فقط بدخول مكاتب منظمة التحرير إلى رام الله، مع بقاء كافة المستوطنات تشق خاصرة المناطق التي تم الاتفاق على أن تكون تحت ما يسمى بالسيادة الفلسطينية.

على أي حال ترك لنا مريد 12 ديوانًا منذ الطوفان وإعادة التكوين (1972). وتشكلّ تجربته الشعرية واحدة من التجارب الشعرية الكبرى، فقد كان أبعد الشعراء الفلسطينيين عن القصيدة النمطية عالية الصوت السهلة ذات الأهداف المباشرة والمعاني والأخيلة المستهلكة والتورط العاطفي منذ عام 1948. وإذا كان هناك عدد قليل جدًا من الشعراء نجا من التنميط، فإن مريد البرغوثي ومحمود درويش في مقدمتهم.

ترك لنا مريد أيضًا سيرته وسيرة وطنه الذاتية عبر كتابيه رأيت رام الله، الذي كتبه بعد عودته من زيارته الأولى إلى هناك، وحصوله على الهوية الفلسطينية عام 1996 تنفيذًا لاتفاق أوسلو، والثاني ولدت هناك.. ولدت هنا الذي كتبه في العام التالي، عندما اصطحب معه ابنه تميم المولود في القاهرة، ليحصل بدوره على هويته الفلسطينية بعد أن أتم إحدى وعشرين عامًا.

(3)

تعرّفت على مريد في وقت مبكر جدًا ربما في أواخر ستينيات القرن الماضي على المقاهي الأدبية في ذلك الحين. وفي عام 1972 اشتركنا معًا في أول مسيرة صامتة احتجاجًا وتنديدًا بإقدام إسرائيل على اغتيال الكاتب والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني المتحدث باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في بيروت. لنتذكر أننا كنا بعد الحرب والمظاهرات والمسيرات وكافة أشكال الاحتجاج السلمي محظورة وفقًا لقانون الطوارئ، ومع ذلك فوجئنا في الظهيرة بقدوم يوسف إدريس الذي لم يكن يتردد كثيرًا على ريش، ودعا الحاضرين إلى مسيرة احتجاج على الاغتيال. رحّب الجميع بالفكرة، واصطحبتني رضوى عاشور إلى أحد المحلات في شارع طلعت حرب، ورحنا نتصل بأصدقائنا وزملائنا هاتفيًا ندعوهم للحضور إلى ريش.

عندما عدنا كانت اللافتات قد أعدّت وشارك في كتابتها يحيى الطاهر عبد الله ونجيب سرور بخطهما المميز الصارخ، بينما كانت الأعداد تتقاطر وضمّت العديد من الكتاب والشعراء ومن بينهم مريد بالطبع. مريد تحديدًا كان وضعه دقيقًا وصعبًا، فهو فلسطيني ومن الممكن إلغاء إقامته وترحيله على الفور. كما كان هناك كتاب آخرون مصريين معروفين في مقدمتهم يوسف إدريس الذي كان نجمًا أيامها ويكتب صفحة شهيرة جدًا أسبوعيًا في الأهرام.

وبالرغم من كل الظروف القمعية التي كنا نعيشها، تجمّع نحو خمسين كاتبة وكاتب، وقطعنا المسافة بين مقهى ريش في شارع طلعت حرب، ومقر نقابة الصحفيين في شارع عبد الخالق ثروت عبر شارع قصر النيل، في مسيرة صامتة محكمة التنظيم بما يليق بجلال المناسبة، رافعين لافتاتنا المنددة بإسرائيل. لم يتعرض الأمن لنا، لكن سيارت الشرطة كانت تتابعنا بدقة. تركونا ندخل النقابة، وأخذوا يوسف إدريس، الذي عاد إلينا بعد مايقرب من نصف ساعة، وأخبرنا أنهم سألوه عن أسماء المشاركين فأجابهم: يوسف إدريس ويوسف إدريس ويوسف إدريس.

أتذكر مثلا عندما التقينا؛ رضوى ومريد وأنا، وقمنا بما يشبه النزهة في شوارع الزمالك في صيف 1996. وكان مريد طليق اللسان والمحيّا ولم يكف عن السخرية المُرّة من كل ماكان يجري أيامها.

وهكذا تعددت لقاءاتنا بعد ذلك في الندوات والمقاهي، لكن عام 1977 شهد ترحيله من مصر بقرار تم تنفيذه في يوم صدوره إلى عمان، على خلفية مبادرة السادات المشؤومة بزيارة القدس والكنيست الإسرائيلي، القرار إذن صدر بوصفه فلسطينيًا، وأمضى سبعة عشر عامًا متواصلة أغلبها في بودابست بالمجر مستشارًا لمكتب منظمة التحرير الفلسطينية هناك، وكان مريد قد ترك ابنه تميم الذي لم يكن قد تجاوز عمره خمسة شهور.

وهكذا لم أرَ مريد مطلقا بعد ذلك، لكنني شاركتُ رضوى في لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، وهي لجنة جبهوية تعمل في إطار حزب التجمع كإطار شرعي، تأسست عام 1979 بعد توقيع اتفاقية معاهدة السلام مع إسرائيل. اللجنة واحدة من أهم أدوات المقاومة للتطبيع، وبالتأكيد واحدة من التجارب القليلة الناجحة في العمل الجبهوي، فلم يكن ضروريًا أن تكون عضوًا في حزب التجمع لتتمتع بالحق بالمشاركة في أعمال اللجنة، بل أن أمين اللجنة كانت الدكتورة لطيفة الزيات التي لم تكن عضوة في الحزب. أما اللجنة فقد أسفرت جهودها باختصار عن عرقلة قطار التطبيع وإيقاف التطبيع الثقافي تحديدًا، والأهم أن مقاومة التطبيع اكتسبت مغزىً أخلاقيًا، وأصبح التطبيع فعل خيانة والتفت حول مقاومة التطبيع أغلبية كاسحة من المثقفين، وعلى الرغم من توقف اللجنة في تسعينيات القرن الماضي، لكن المغزى الأخلاقي السابق الإشارة له مازال فاعلًا حتى الآن.

أما مريد فقد تم ترحيله لسبعة عشر عاما، ولم نلتقِ إلا بعد عودته من الشتات، وبعد أن نجحت الجهود المبذولة في السماح له بالإقامة في القاهرة. أتذكر مثلا عندما التقينا؛ رضوى ومريد وأنا، وقمنا بما يشبه النزهة في شوارع الزمالك في صيف 1996. وكان مريد طليق اللسان والمحيّا ولم يكف عن السخرية المُرّة من كل ماكان يجري أيامها، وكان الحديث يكشف عن متابعته الدقيقة للثقافة المصرية تحديدًا، على الرغم من غيابه الطويل بعد نفيه، وتوليه منصب مستشار في مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في المجر.

انتهت جولتنا نحن الثلاثة في السفارة الألمانية، حيث حصلنا رضوى وأنا على تأشيرة للسفر لحضور ندوة في أكاديمية لوكوم بهانوفر كان عنوانها الأدب وحرية وسائل الإعلام وحقوق الإنسان في المجتمعات الإسلامية في الفترة من 31 مايو وحتى 2 يونيو 1996. تكمن أهمية تلك الندوة في استضافتها لكل من الراحل الكبير نصر حامد أبو زيد الذي كان قد غادر مصر بعد صدور الفتوى بالتفريق بينه وبين زوجته واعتباره كافرًا يستحق القتل"شرعا"، واستضافتها أيضا للكاتبة البنغالية تسليمة نسرين التي كانت مهددة بالقتل في بلدها من جانب المتطرفين الإسلاميين. اعتذرت رضوى في اللحظة الأخيرة بسبب وفاة منيف الشقيق الأكبر لمريد في فرنسا في ظروف غامضة، ولكن كان يجب أن تكون بجانب زوجها والعائلة في عمان في مثل هذا الظرف الدقيق.

مضت سنوات قليلة كنا نلتقي فيها بين الحين والآخر، ومن بين اللقاءات تلك الليلة الدافئة المبهجة، عندما دعاني أنا وزوجتي وصديقنا الفنان التشكيلي الراحل جودة خليفة على العشاء، وحظينا بسهرة استمرت عدة ساعات، كان مريد خلالها طلق اللسان، وحكى لنا الكثير من طرائف النظم الحاكمة التي تفننت في قمع الفلسطينيين وإهانتهم، كما تبادل هو ورضوى الترحيب بنا، وأعدت رضوى لنا مائدة شهية حقًا.

يحكي مريد على نحو موجع، وإن كان بعيدًا تمامًا عن الميلودراما، قصة عودته إلى بلاده بعد 30 سنةً عبر جسر الملك حسين، ثم مثوله أمام الجنود الإسرائيليين في الجانب الآخر.

لا شك أن هناك لقاءات عديدة تمت بعد ذلك بالمصادفة، ومن بينها ذلك اللقاء قبل الأخير في ميدان التحرير بعد خلع حسني مبارك في أعقاب اندلاع ثورة 25 يناير. ثم رحلت رضوى عاشور عن عالمنا عام 2014، والتقينا اللقاء الأخير أثناء الصلاة على جثمانها في جامع صلاح الدين بالمنيل، وغاب مريد في عمان وغيرها من مدن الشتات حتى رحيله في 14 فبراير/ شباط الجاري.

يلفت النظر بشدة ماكتبه رواد مواقع التواصل الاجتماعي من تعليقات عقب انتشار خبر رحيله، تتحدث عن دلالة يوم الرحيل في عيد الحب.. فمريد قرر أن يرحل إلى رضوى في يوم عيد الحب تحديدًا، بعد ست سنوات من فراقهما المؤقت.

(4)

أتوقف في النهاية قليلا عند كتابيه رأيت رام الله وولدتُ هناك .. ولدتُ هنا اللذين لا يشكلان سيرته الذاتية فقط، بل يسجلان أيضًا السيرة الفلسطينية والاقتلاع والشتات وتآمر النظم العربية على القضية واستخدامها لمصالح تلك النظم المباركة.

مقدمة الكتاب الأول كتبها للطبعة الإنجليزية التي قامت بترجمتها الروائية أهداف سويف، ثم أصبحت هذه المقدمة موجودة في كل طبعات الكتاب، فهي للمفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، وذكر فيها أن الكتاب "واحد من أرفع أشكال التجربة الوجودية للشتات الفلسطيني" وأضاف أن التسوية بين عرفات وإسرائيل بدأت عام 1993، ولم تؤد إلى سيادة فلسطينية أو سلام، بل سمحت فقط بعودة بعض الفلسطينيين من أهالي المناطق المحتلة عام 1967.

ولما كان مريد من أبناء قرية غسانة الواقعة في نطاق رام الله (والأخيرة كانت مقرًا للسلطة الفلسطينية، وانتقلت إليها مكاتب منظمة التحرير واتخذت مقرا لعرفات، لكن كل هذا كان في قبضة الاحتلال، ومجرد سجن كبير، وتستطيع إسرائيل كما فعلت أن تدمره وتسويّه بالتراب). لما كان ذلك كذلك توجه مريد إلى عمان ومنها إلى رام الله عبر جسر الملك حسين، ليحصل على هويته الفلسطينية، ويعود بالأوراق التي تتيح لابنه تميم العودة مرة أخرى ليحصل بدوره على هويته الفلسطينية.

يحكي مريد على نحو موجع، وإن كان بعيدًا تمامًا عن الميلودراما، قصة عودته إلى بلاده بعد 30 سنةً عبر جسر الملك حسين، ثم مثوله أمام الجنود الإسرائيليين في الجانب الآخر (الإسرائيلي طبعا). لقاؤه بأهله في غسانة ومصافحة عينيه لأرض فقدها وتم احتلالها. ماذا فعلت السنين بالأهل والأرض وحقول الزيتون؟ التفاصيل تشغل الكاتب وحجم التغييرات وترحيب الناس، والعجائز الذين كان قد تركهم شبابًا، رحلة العذاب من أجل استخراج أوراق هويته الجديدة الفلسطينية (مع ملاحظة أن الهوية الجديدة مجرد هوية شكلية ولا ترتب حقوقًا).


كذلك يشير مريد إلى أنه قرر منذ زمن أن يكون مستقلًا عن كل الفصائل الفلسطينية، وهو أمر نادر ويرتب أوضاعًا كان عليه أن يتحملها، أما علاقته باليهود قبل النكبة فيكتب عنها "عندما كنا في فلسطين لم نجفل من اليهودي. لم نكرهه. لم نعادِه. كرهته أوروبا العصور الوسطى ولم نكرهه نحن. كرهه فرديناند وإيزابيلا ولم نكرهه نحن. كرهه أدولف هتلر ولم نكرهه نحن. عندما طلب مكاننا كله ونفانا منه، أخرجنا وأخرج نفسه من قانون التساوي. صار عدوًا. وصار قويًا. صرنا غرباء وضعفاء".

كان على مريد أيضا أن يستخرج الأوراق التي تتيح لابنه تميم أن يعود ليحصل على هويته الفلسطينية، وهذا ما فعله، ويحكيه في كتابه الثاني، أو لنقل في الجزء الثاني من التغريبة الفلسطينية، عندما وقف في الطابور المؤدي إلى مكاتب الجوازات الإسرائيلية بعيدًا عن تميم، حتي يطمئن إلى السماح بدخوله.

وهكذا يدخل هو تميم ويصطحبه ليتعرف على أرضه وناسه وترابه، بل ويزوران، أو يتسللان بالأحرى، إلى القدس، ويغادرانها معا، ليعودا للشتات.

وأخيرا.. سلامًا وتحية لمريد البرغوثي ورضوى عاشور اللذين صاغا معا قصة نادرة لفلسطين ومصر ومصر وفلسطين.