باك ستريت بويز. الصورة: صفحتهم الرسمية- فيسبوك

باك ستريت بويز: توليفة العطار لثورة التسعينيات الاستهلاكية

في التسعينيات كل النساء كن كاري برادشو أو سامنثا جونز، إمينم كان مصدرًا لجدل لا يتوقف، وأيقونة الجمال الرجالي في أعين الفتيات كانت مجموعة من الشباب الحالمين بعيون ناعسة وتسريحة شعر مفروق من المنتصف سمّيت بالستارة أو تسريحة الفتى الجميل وتزعمها في تلك المرحلة ليوناردو دي كابريو قبل أن ينضج ويمثل أدوارًا تمنحه الأوسكار. إلى جانب ليو، كان هناك مراهق منسي، جزء من جماعة لم نعد نسمع شيئًا عنها الآن، ولكنها في التسعينيات ومطلع الألفية الثانية، كانت مسمع الكرة الأرضية كلها.

نعم، أنا أتكلم عن باك ستريت بويز، أولاد الشوارع الخلفية.

بوستر لشباب بملابس السباحة في غرفة فتاة مراهقة

بدأت علاقتي مع باك ستريت بويز بمجلة الشباب، مقال مكتوب عن فرقة البوب الصاعدة، مع صورة تمثل الخمس فتيان ينظرون للكاميرا، كلٌ بطريقته المميزة. في ذلك الوقت، كان يجب لكل عضو في أي فرقة بوب غنائية أن يظهر بشخصية تميزه عن أقرانه، وفي باك ستريت بويز هذه الشخصيات كانت جاهزة. فنيك هو البيبي المدلل؛ على غرار بيبي سبايس فتاة سبايس جيرلز الوديعة المسالمة، كما فرضت عليها البيرسونا التي اختارها لها ملوك الدعاية والعلاقات العامة، وإي جي هو الولد الصايع، وهاوي كائن هوائي لا هوية له يشبه تيمة ابن الجيران The boy next door، وكيفن القائد بحكم عمره الذي يسبق جميع أعضاء الفرقة وملامحة الآرية، وبرايان هو صاحب الصوت العذب والشخصية الساحرة أمام الكاميرا.

همتُ حبًا بباك ستريت بويز. كنت أنتظر مع أختي عرض أغنياتهم بشغف على القناة الخامسة (القناة الرسمية لمحافظة الإسكندرية) في أحد برنامجي Night Flight، أو العالم يغني الذي كان يُعرض ليلًا بعد مواعيد السهر المحددة لأطفال التسعينيات، فأتسلل من فراشي لأشاهده سرًا على التليفزيون، وأحلم بأن يعرضوا أغنية جديدة لهم.

أول أغنية مصورة أشاهدها لباك ستريت بويز كانت Quit Playing Games With My Heart. أغنية تافهة، لكن الفتيان كانوا شديدي الوسامة، يؤدون ما يشبه رقصات التعري الخفيفة أمام الكاميرا، وبالنسبة لنا كفتيات محافظات في عالم ما قبل الإنترنت، كانت هذه لحظة عظيمة من الانفتاح على الثقافة والموسيقى الغربية. بعدها أدمنت باك ستريت بويز، وأخذت أتابع أخبارهم في المجلات العربية والأمريكية. كنت أشتري Top of the Pops فقط لأقرأ نفس المحادثة للمرة المليون، من منهم لديه جيرل فريند؟ من أكثر الصبيان شقاوة؟ ما هي أقرب أغنية لقلوبهم؟


كنت أستهلك هؤلاء الفتية كما الحلوى المغلفة ورقائق البطاطس، وإن لم أكن أعي ذلك وقتها. طلبت من أقاربي في الولايات المتحدة شراء تيشيرتات تحمل صور الفريق، وأكواب وأقلام وكراسات، لم أترك مجلة تحمل صورتهم إلا واشتريتها، وأي شريط ينزل الأسواق كنت أحجزه مسبقًا وأتشاجر مع صديقاتي في المدرسة لو اشترته إحداهن قبلي. كانت لكل فتاة صديق حميم تخيلي من الصبية، وقد كنت في البداية أفضل نيك كارتر الوسيم المدلل الذي يغني بكل مشاعره، حتى برز صوت إيه جيه المتميز ونبرته الحلقية التي تمنح الكلمات معنى أكبر من مجرد رومانسية عذرية. عندها انقلبت لفتاة إيه جيه.

عندما كبرتُ اكتشفت كيف استخدمت الآلة الإعلامية الأمريكية الضخمة والصناعة الموسيقية الواعية هؤلاء الشباب للتأثير على الثقافة الشعبية وقتها، أصبح هناك طوفان من الفرق الموسيقية التي تتكون من أربع أو خمس شباب، أشهرها بالطبع NSync العدو اللدود لباك ستريت بويز، بوي زون، ويست لايف، نو ميرسي، فايف، وهانسون.

كل هذه الفرق لم تكن تختلف عن بعضها بعضًا كثيرًا؛ شباب صغير السن، حالمون، ينظرون للكاميرا بإغراء مهذب جذاب بالنسبة لمراهقة لا تعرف عن العالم كثيرًا خارج حدود بلدها، في أمريكيتهم المفرطة، كانت معظم هذه الفرق عالمية تتخطى حدود الجغرافيا، وتبشر بالثقافة والموسيقى الأمريكية الشعبية Pop Music كعنوان للانضمام للشلة الأشهر في المدرسة.

علقته على حائط غرفتي وتهكم والدي من أن هؤلاء الفتيان "يبدون منحرفين".

أول بوستر أعلقه على حائطي لفنانين كان للباك ستريت بويز، حصلت عليه كهدية بعد شرائي شريط مجمع لأغانيهم الأشهر، من المتجر الضخم الذي لم يعد له وجود الآن بعد انحسار مبيعات الكاسيت. علقته على حائط غرفتي وتهكم والدي من أن هؤلاء الفتيان "يبدون منحرفين"، لكن هذا الانحراف لم يكن ليصل إلينا معشر المراهقات، فالمجلات التي تكتب عن باك ستريت بويز تصفهم بكل الصفات الجميلة الممتعة، حتى إيه جيه الفتى السيئ الذي يخيف الأمهات وفي خيالنا المراهق يأخذ الفتيات على متن موتوسيكل ليذهبان سويًا في رحلة تنتهي بقبلة أشبه بما نراه في الأفلام الأمريكية الشبابية المنتشرة وقتها، يبدو شديد الوداعة مقارنةً بالشباب "الفاسد" في الوعي الجمعي الحالي.

نهاية العالم قادمة على يد باك ستريت بويز

عند نزول ألبوم الألفية الثانية لباك ستريت بويز، كان العالم يترقب بشغف الألفية الجديدة وما قد تحدثه من قلاقل، تنبؤات بنهاية العالم عند اللحظة التي تتغير فيها التواريخ من 1999 إلى 2000، وما ارتبط بها من مشكلات حاسوبية، فيما أُطلق عليه وقتها مشكلة Y2K، ووسط هذا كله، كانت الطوابير تقف أمام محلات شرائط الكاسيت للحصول على نسخة من ألبوم Millennium لباك ستريت بويز.

استحق باك ستريت بويز كل دولار جمعوه بسبب شهرتهم الساحقة. في موسوعة جينيز، حصلت الفرقة على لقب أكبر مبيعات لفريق صبيان في التاريخ، حتى الفرق الغنائية اليوم بمنصات المشاهدة المجانية ودعاية مواقع التواصل والإجابة على أسئلة المعجبين في لحظة دون الانتظار حتى الظهور على MTV أو في توك شو شهير، لم تحقق ربع نجاح باك ستريت بويز الذين حفروا أسماءهم في التاريخ بالمبيعات الأمريكية والعالمية للألبومين المتتاليين Millennium و Black & Blue. في أول أسبوع، بيعت مليون نسخة وأكثر من كل ألبوم، تساوى فتيان الشوارع الخلفية بالبيتلز في تحقيق مبيعات مليونية لألبوم تلو الآخر، وإن كان الأوائل هم قادة الثورة الاستهلاكية في التسعينيات، فالقدامى هم عنوان الثقافة المضادة في أمريكا الستينات. الفارق شاسع من حيث القيمة الأدبية، لكن يبقى صوت الجماهير هو الأعلى.


متى بدأ المعجبون يشعرون بأن شيئًا ليس على ما يرام؟

في البداية ظهرت أخبار مقتضبة عن ظهور إيه جيه مخمورًا على المسرح، ثم خضوعه للعلاج من الإدمان في مصحة نفسية. ثم ظهرت صور توضح مدى تدهور ملامح نيك كارتر بعد زيادة وزنه واختفاء هذه البسمة الناعسة والشعر الناعم المسترسل في مقابل وشوم وقصة شعر جريئة تعلن عن نضجه.

ثم ماتت الضجة وكبر جيل التسعينيات ليفسح الطريق لجيل أكثر عملية واستيعابًا لمتغيرات الأمور. وبدأت الصورة تتضح.

كانت البداية خلطة نجاح ليس أكثر، لكننا أصبحنا مثل بينوكيو، كان مصنوعًا هو الآخر، ثم تحول لولد حقيقي.
- نيك كارتر

باك ستريت بويز كانوا صناعة خالصة من رجل أعمل نصاب يُدعى لو بيرلمان، صنع توليفة كما العطار للنجاح في عالم الأعمال، خمس شباب يتحلون بالوسامة يغنون أغاني الحب بأصوات ناعمة ونبرة حارة، فقط ليستغل هذه الصورة القانونية كمدير أعمال ومؤسس للفرقة في عمليات نصب على نطاق ضخم بطول وعرض أمريكا.

نيك كارتر لم يكن البيبي، كان طفلًا يشرب الخمر منذ الطفولة كما رأى والده وأمه يفعلان، لم يتحملا مسؤوليته وتركا الوصاية القانونية عليه لزميله في الفرقة برايان ليترل، له تاريخ طويل من الشجار والقيادة تحت تأثير السكْر والنزاع القانوني مع أفراد أسرته وعدد من حلقات تليفزيون الواقع الرديئة. إيه جيه لم يكن هذا الفتى السيئ، بل شابًا هشًا حساسًا، فُرض عليه لعب دور لم يحبه كالساحر في إحدى فقرات السيرك، وارتداءه هذا القناع لفترة طويلة مع عوامل أخرى تسببوا في إدمانه للخمر والكوكايين وإصابته بالاكتئاب الحاد، لم يكن "هاوي" قنوعًا بتهميشه كالفتى المهذب في الجوار، كما أنه لم يكن محبًا لنوع الموسيقى الذي قدموه في البداية مع شركة إسطوانات جايف الأوروبية.

كنا آلهة بصورة مرتبكة وملتوية.
- إيه جيه ماكلين

آلهة من عجوة

لم تكن أسطورة باك ستريت بويز قصة صعود ملهمة بقدر ما كانت حكاية عن رجل أعمال متوحش استغل فقر وسذاجة شلة من المراهقين وأوهمهم أنهم مطربين عظماء، تركهم يهلكون أنفسهم في تمرينات استعراضية صارمة في أحد الاستوديوهات، يعملون ليل نهار بينما يجمع هو المال، وفي المقابل يمنحهم الحياة الممتعة التي لم يكونوا يتخيلون الوصول إليها.

لكن السحر انقلب على الساحر، والكيان الهش من مطربي البوب السذج تمكن من التحليق، وأصبحت له أجنحة قوية وأرض ثابتة يقف عليها. أتقن الصبية فن أغنيات الفيديو المصورة، وأصبح الجميع ينتظر ظهورهم على شاشات التليفزيون بشغف، تنوعت موسيقاهم بدايةً مع ألبوم Millennium بأغنية Show Me The Meaning Of Being Lonely التي جعلت غير محبيهم ينظرون إليهم ببعض التقدير، وفي ألبوم Black & Blue أدخل الفتيان بعض التغيير على الألحان وطريقة تصوير الفيديوهات، فبدا نضجهم في اختيار الأغاني نفسها، وبات واضحًا أن تمرد البويز على صورتهم النمطية أصبح وشيكًا.


في الفيلم الوثائقي الذي قرر الصبيان أن يحكوا فيه حكايتهم Show ‘em What You’re Made Of يبدو عليهم الإرهاق ومدى التدهور الذي تسلل لعلاقاتهم ببعض، ولكن في نفس الوقت، رغبتهم في البقاء والمحاولة. لم يعودوا صبيان ولا فرقة فتية، لكنهم رجال كبار يمتعون الأمهات اللاتي يتمسكن في صورهم بطفولة ومراهقة لم يعدن يلمسنها في أي تفصيلة من التفاصيل الحياتية.

من خلال مشاهدة الفيلم الوثائقي، أثارت بعض اللمحات عن رجل الأعمال المتوحش لو بيرلمان اهتمامي، وبالبحث المدقق كانت الصدمة.

لم يكن لو بيرلمان مجرد نصاب محترف استغل عَرق هؤلاء المراهقين البؤساء، وأرهقهم بالعمل والسفر غير المنقطع، لكنه وفقًا لمقال نُشر في مجلة فانيتي فير كان متحرشًا، يريهم صور بورنوجرافية وهم تحت السن القانوني، ويطلب منهم ممارسات جنسية مقابل الشهرة، في لقاءات كثيرة مع أعضاء فرقة NSync والباك ستريت بويز، لم يؤكد معظمهم أيًا من هذه الاتهامات، لكن النفي بقي باهتًا مقابل الإدعاءات الصريحة من أحد مطربي فرقة أو-تاون، ولانس بيس أحد أعضاء فرقة NSync. لكن المفاجأة غير السارة كانت عندما قرأت أن والدة أحد أعضاء فريق باك ستريت بويز، دون ذكر اسمه تحديدًا، قد شكت تحرشه وتصرفاته المنحرفة مع ابنها وقتها.

هل كان أحد أعضاء فرقتي المحبوبة ضحية للاستغلال الجنسي؟ أعدت مشاهدة مقابلاتهم القديمة أيام أمجاد MTV وتوب أوف ذا بوبس، ولقاءاتهم الكثيرة مع التليفزيونات الأوروبية، ولفت انتباهي محاورة لنيك مع مذيعة يظهر فيها بوجه قاتم ويتحدث عن كبته لمشاعره وعدم رغبته في البكاء، بذكورية، لأنه رجل. كان نيك وقتها لم يتعد السادسة عشر من عمره، لكن بعينيّ امرأة ناضجة الآن تشاهد مراهقًا يتحدث عن نفسه، لم يكن للأمر أي علاقة بقلق المراهقة المعتاد Teen Angst وإنما طفلًا كبر قبل الأوان وأغلق على قلبه الأسرار.

متى توقف حبي لباك ستريت بويز؟

بعد ألبوم Black & Blue، نضب نهر إبداع البويز. اكتشفت وقتها أن الحياة أكثر من مجرد أغنية حب، بدأ اكتشافي لعالم الروك والميتال والكانتري، فأحببت البيتلز وبينك فلويد وميتاليكا وسيزر وكوين وبوب ديلان وديكسي تشيكس، كما ظهرت فرق الروك الأكثر شعبية وأقل إظلامًا مثل Evanescence و Linkin Park لتجعل الروك سلعة استهلاكية ممتعة لا موسيقى مغايرة يسمعها المراهقون في حالة تمرد على الأهل والمجتمع.


اقرأ أيضًا: عن أسطورة البلوز وهوس الموسيقى ونادي الـ27


لم أعد أستطيع مشاهدة كليب I want It That Way أو أغنية الهالووين الشهيرة Everybody دون أن أتخيل بكاء إيه جيه بسبب إدمانه الكوكايين، أو كيفن يتكلم بالألمانية عن الجنس الفموي أو ما قد يكون نيك كارتر قد تعرض إليه على يد لو بيرلمان، أو حتى كونهم كانوا يقضون الساعات الطوال يتمرنون ويرقصون للجماهير التي لا تعرفهم، كفقرة ترفيهية ضمن برنامج حديقة SeaWorld.

كل ما تمسكت به من مراهقتي التسعينية ملامح في المحال التي كنت أشتري منها شرائط الكاسيت، أو عندما أكملت لصق جميع الصور في ألبوم باك ستريت بويز والذي كانت الصورة الصغيرة فيه بخمس جنيهات، مما يجعلني مذهولة أنني أنفقت 500 جنيه من الصور على ألبوم تافه، فقط لأضع صورة نجومي المحببين في ملصقات واحد إلى جانب الآخر. كما تذكرت أصدقاء الطفولة الذين قال عنهم ستيفن كينج في رائعته Stand By Me "لم يعد لدي أصدقاء فيما بعد مثل الذين كانوا معي وأنا في الثانية عشرة أبدًا. بحق المسيح، ألستم مثلي؟"