تصميم: يوسف أيمن- المنصة

يومياتي مع كورونا| اتفصلت من المستشفى بعد إصابة عمل فتطوعت لإنقاذ المرضى

الاسم: سحر علاء الدين.*
السن: 21 سنة.
المهنة: ممرضة متطوعة لعلاج مصابي كورونا المعزولين منزليًا.
محل الإقامة: أسوان.


أنا سبت شغلي في مستشفى هنا في أسوان بسبب إصابة عمل أصلًا، كان في حالة تعبانة جدًا، وأنا بجري عشان أركّبله الأجهزة وقعت على رجلي واتكسرت، كنا في دَخلة العيد الكبير، فأخدت أسبوع اجازة، رجعت من الأجازة عرفت إنهم فصلوني من الشغل، وأنا مصابة في الشغل أصلًا، بس عشان اللي مالوش ضهر بيتضرب على بطنه اتفصلت، بعدها قعدت فترة بتابع أني أساعد وأنا في البيت، وعشان أنا مؤمنة أن ملناش غير الخير اللي هيقعد لنا قررت أتطوع في علاج المصابيين بالكورونا، حسيت إن ربنا إداني العلم ده، وكل اللي حصلي، عشان يجي الوقت ده أبقى فاضية وأقدر أساعد عدد كبير من الناس محتاجين ليا أكتر.

فضلت كتير بدور على فرصة تطوع بقالي مدة كبيرة، من بداية الأزمة، بحاول أوصل لحد في الوزاة واتطوع في علاج الناس ومتابعتهم، بس ماكنش فيه فرصة، استنيت لحد ما الوزارة طلبت متطوعين وفتحت الموقع، وبعتلهم ولا عشر مرات، مش رقم كده، أنا فعلًا بعت طلبات تطوع أكتر من عشر مرات، الأول قدمت أسوان بلدي، وبعدين لما ماحدش كلمني بقيت أكتب محافظات أبعد، لحد ماكتبت القاهرة وإسكندرية، وكل المحافظات اللي بسمع فيها حالات كتير، وللأسف محدش كان بيرد عليا، فضلت أدور على النت وعرفت من فيسبوك مجموعة شباب عندنا من أسوان ، عاملين زي مبادرة واللي يقدر يساعد بحاجة بيتطوع معاهم، اسمها معًا ضد كورونا.

بعت لواحد من المبادرة دي، قولتله إني ممرضة وعاوزة أتطوع في علاج الناس المعزولة منزليًا، بعدها اتأكد من كلامي وإني اشتغلت تمريض فعلًا، ورحَّب بيا جدًا، وفي آخر أبريل بدأت أنزل معاهم، جابولي بدلة واقية ومعقمات، وأنا عشان كنت شغالة في مستشفى سابقًا كنت مدربة على لبس البدلة وأقلعها إزاي، واتعامل مع الحالات إزاي، والباقي أنا كنت بتابعه من موقع وصفحات مكافحة العدوى من على النت، اعتمدت على نفسي عشان أفضل متابعة اللي بيحصل.

أهلي كانوا خايفين

أنا عايشة في البيت مع أهلي وأختي، لما قولتلهم في الأول إني عاوزة أتطوع رفضوا وكانوا خايفين، قعدوا يقولوا ليا أنت عاوزة تطلعي تجبيلنا المرض و تيجي، بس أنا قولتلهم خلاص ده قراري وأنا هعمله، يمكن ربنا عمل كل ده عشان اساعد الناس في الظروف دي، وأخدت القرار ونفذته، وهم تقبلوا بعد كده، على أد ماقدر بس باخد بالي في التعامل معاهم، بحاول ماختلطش بهم كتير في البيت، وقبل مابروح باترش بالكلور، بوشي بكل حاجة، خوفًا من لا قدّر الله أنقل لهم عدوى.

أول حالة جاتلي كانت الساعة 9 بالليل، جم أخدوني ولبست واتعقمت، لراجل كبير شوية تعبان أوي، دخلت على الراجل لقيته بينازع، وبيشاورلي أن روحه هتطلع، منظر صعب أوي، الروح غالية بردو، لقيت ضغطه 90/ 60 ده واطي جدًا، ومش عارف يتنفس، وعنده تمدد في الرئة أصلًا، وحراراته عالية أوي، فضلت أنا وزميلي اللي معايا شغالين بالاسعافات عليه، وادلته أدوية وركبتله محلول وفضلت شغالة بالكمادات لحد ما الحرارة تنزل ويجي الدكتور، الحمد لله اتحسن شوية، و أولاده أخدوه للمستشفى، ودخل العزل، فضلت متابعة حالته لحد ما تعافى تمامًا، حتى وهو في المستشفى، وبعد ماخرج وتعافى تمامًا الحمد لله ولاده كتبولنا شكر على فيسبوك، ولغاية النهارده بيدعولنا، وأنا مش محتاجة أكتر من كده.

الصعب عليا أوي وبيأثر فيا، لما حد يموت ومانلحقهوش، الحمد لله ماحصلتش كتير، وأغلب الحالات بنلحقها، بس أصعب حالة اتوفت كان راجل كبير، وتعبان أوي، حاولت أعمله كل حاجه ممكنة، حالته كانت متأخرة أوي، وده لازم يدخل مستشفى دلوقتي ماينفعش تأجيل، مافيش غير 3 مستشفيات في أسوان، عياله نشفوا راسهم يدخل مستشفى معينة، عشان الخدمة فيها أحسن، طيب دخلوه أي مستشفى دلوقتي يتلحق وبعدين نحاول نشوفله مكان وننقله، يا إما دي يا بلاش، لحد ما مات بين إيدي، موقف ربنا مايكتبهوش على حد أبدًا، من الوجع والحزن اللي فيه.

كل يوم بيجلنا إخباريات بحالات ياما، أنا ممكن في اليوم أروح لـ 20 أو 30 حالة، ده أقل يوم، كل حالة منهم ببقا عارفة بروتوكول علاجها، مابديش حاجه من نفسي، كل حالة بتابع مع الدكتور بتاعها، وباخد التحاليل والأشعة منهم وابعتها للدكتور ويقولي ايه الأدوية المناسبة للحالة.

كل ما حد يشوف البدلة يقولولنا يا كورونا وبنتزف في الشارع من العيال الصغيرة، بس خلاص اتعودت ومابنردش اللي بنعمله ده لربنا.

مافيش نوم تقريبًا، لازم نتابع الحالات كلها عشان لاقدر الله ممكن يحصل تدهور في أي وقت، ولازم الناس تتلحق، حرام يعني كل واحد وراه عائلة بحالها، كمان كاتبة في أجندة مواعيد كل واحد والأدوية اللي ينفع حد من البيت يديها للحالة، مواعيدها ، وبتصل أتأكد أنه أخد الأدوية في معادها، والأدوية اللي لازم أروح أنا عشانها، زي الحقن والمحاليل وكده، وبرتب الحالات بالأولوية، يعني اللي لسه متبلغة بهم ده أول واحد أروحله أشوف حالته الأول، بس مافيش حالة مابروحلهاش كل يوم، لأن ممكن يتدهور في أي لحظة. وبكتب مواعيد كل حاجه، دي أمانة ومسؤولية كبيرة لازم أتقي ربنا وأنا بعملها.

اتعودنا على التنمر

التنمر علينا واحنا ماشيين ده عادي، كل ما حد يشوف البدلة يقولولنا يا كورونا وبنتزف في الشارع من العيال الصغيرة، بس خلاص اتعودت ومابنردش. اللي بنعمله ده لربنا، مش مهم بقا اللي بيتقال من الناس، بس في مواقف بتعلم معايا، رايحة لحالة تعبانة وست كبيرة، ابنها لما عرف أني بلبس في الشارع وطالعة مرضاش يدخلني لوالدته، كان عاوزني أطلع البيت كده والبس فوق، وهم كلهم مخالطين للحالة وممكن يكونوا مصابين، طبعًا ده هيحطني في خطر للعدوى من غير أي داعي، أنا مؤمنة أن لو ربنا كاتبلي اتصاب هتصاب في أي وقت واي مكان، بس هي محاولات إننا نبقا كويسيين ونقوم بدورنا للآخر.

البدلة هي أصعب حاجه في الموضوع، الجو هنا حر أوي، والبدلة طبقات كتير، وتقيله وبتسخن الجسم جامد، وكمان الماسك والخوذة دول بيعملوا شبورة وماببقاش شايقة كويس وبتجيب صداع، ساعات كمان ببقا لازم اطلع بقا أدوار عالية سلالم على رجلي، وبضطر أطلع، بس اللي بيهون علينا كلام الناس الطيبة، لما حد يشوفي يروح داعيلي ربنا يحفظكم، ببقا متأكدة أن ربنا معايا على طول وده كفاية.

لما حالة بتخف الفرحة بتبقا مش سيعاني، وكأن الكون بحاله فرحان ورجلي مش لامسة الأرض، ولما حالة بتتحول لسلبي بحس بانجاز كبير وأن مجهودي له فايدة، يعني كان في حالة راجل كبير محتاج عزل، ولاده طلعوه، عشان ظروف العزل ومحدش هيبقا جنبه وكده، بس روحتله وتابعت معاه، بصراحة كنت فاقدة في الحالة الأمل، بس فضلت كل يوم أتابع معاه لحد ما اتحسن و بقا كويس وتعافى كمان ونتيجته بقيت سلبي، وقتها حسيت إني عملت حاجه مهمة أوي.

بيني وبين ربنا

متطوعة بشكل كامل، مابخدش من أي حد فلوس، ولا حلاوة شفا ولا أي حاجة، دي حاجة بيني وبين ربنا، وبعمل كده لوجه الله، لما حد بيبقا مُصر يدفع فلوس بقوله يجيبها تبرعات لناس تانية، يعني يعمل شنط أدوية للناس اللي مش قادرة تجيب علاج لنفسها، لأن دول كتير أوي، أسرة مصابة بس مش قادرين يتكفلوا بالأدوية.

بعد شهرين من تطوعي أنا عاوزة أشكر كل فرد في مبادرة معًا ضد كورونا، على موقفهم ومساعدتهم، وإنهم خلقولنا فرصة نعرف نساعد فيها، في وقت كلنا محتاجين بعض، والناس محتاجه كل واحد مننا يقدر يساعد في إنقاذ روح.

عشان أعرف أعالج المريض صح لازم أحط نفسي مكانه، مش أروحله تأدية واجب وخلاص، لأن لو هعتبره واجب وخلاص مش هعرف أقدمله حاجه، ولا هلحقه، لازم يبقا قلبي على المريض ده، على أد ما ببقا مرهقة بس ببقا فرحانة أني نجدت روح، كل يوم ببقا صاحية الساعة 8 الصبح، قاعدة بفكر أنا هلحق أفطر وألبس وأتجهز خلال 5 دقايق بس والحق الحالات إزاي، بس ربنا بيقدرني وأهو لسه مكملة.


* هذه شهادة لممرضة في أسوان، تنشرها المنصة بعد التأكد من هوية الكاتبة والتحقق من شهادتها عبر اتباع الطرق المهنية والقانونية الملائمة، والحفاظ على خصوصية المرضى إن أتى ذكرهم، مع عدم التدخل في صياغة الشهادة من جانبنا إلا لضبط اللغة إن كانت بالفصحى.